محمد بن جرير الطبري
48
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
والدلالةُ على صحة ما قلناه - من أنّ معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم " نزل القرآن على سبعة أحرف " ، إنما هو أنه نزل بسبع لغات ، كما تقدم ذكرناه من الروايات الثابتة عن عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن مسعود ، وأبيّ بن كعب ، وسائر من قدمنا الرواية عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في أول هذا الباب - أنهم تمارَوْا في القرآن ، فخالف بعضهم بعضًا في نفْس التلاوة ، دون ما في ذلك من المعاني ، وأنهم احتكموا فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ( 1 ) فاستقرأ كلَّ رجل منهم ، ثم صَوَّب جميعَهُم في قراءتهم على اختلافها ، حتى ارتاب بعضُهم لتصويبه إياهم ، فقال صلى الله عليه وسلم للذي ارتاب منهم عند تصويبه جميعَهم : " إنَ الله أمرني أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف " . ومعلوم أن تمارِيهم فيما تمارَوْا فيه من ذلك ، لو كان تماريًا واختلافًا فيما دلت عليه تلاواتهم من التحليل والتحريم والوعد والوعيد وما أشبه ذلك ، لكان مستحيلا أن يُصوِّب جميعهم ، ويأمرَ كل قارئ منهم أن يلزم قراءته في ذلك على النحو الذي هو عليه . لأن ذلك لو جاز أن يكون صحيحًا ، وجبَ أن يكون الله جلّ ثناؤه قد أمرَ بفعل شيء بعينه وفَرَضَه ، في تلاوة من دلّت تلاوته على فرضه - ونهى عن فعل ذلك الشيء بعينه وزَجر عنه ، في تلاوة الذي دلت تلاوته على النهي والزجر عنه ، وأباح وأطلق فعلَ ذلك الشيء بعينه ، وجعل لمن شاء من عباده أن يفعله فِعْلَه ، ولمن شاء منهم أن يتركه تَرْكَه ( 2 ) في تلاوة من دَلت تلاوته على التخيير ! وذلك من قائله إنْ قاله ، إثباتُ ما قد نفى الله جل ثناؤه عن تنزيله وحُكْم كتابه فقال : { أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا } [ سورة النساء : 82 ] .
--> ( 1 ) في المخطوطة : " وأنهم اختلفوا فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم " . وكل صواب . ( 2 ) أي : جعل له فعله ، وجعل له تركه . و " جعل " هنا ، بمعنى : أباح وأذن .